صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

5

تفسير القرآن الكريم

فبالقياس إليه ، يكون الدنيا أولاه والآخرة أخراه ، كما إنّ الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في رتبة الوجود وثانية لها ، وهي وإن كانت ثانية في رتبة الوجود ، فإنّها أول في حقّ رؤيتك ، فإنّها لا ترى نفسك وترى صورتك في المرآة أولا ، فتعرف بها صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على سبيل المحاكاة ، فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حقّ المعرفة ، وانقلب المتاخّر متقدّما . وهذا النوع من الانعكاس والانتكاس ، ضرورة هذا العالم ، وكذلك عالم الشهادة محال لعالم الغيب والملكوت . ومن الناس من يسّر له نظر الاعتبار فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلّا ويعبر به إلى عالم الملكوت فيسمّى عبوره عبرة ، وقد امر الخلق به قال سبحانه فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [ 59 / 2 ] . ومنهم من عميت بصيرته فلم يعبر فاحتبس في عالم الملك والشهادة وسينفتح إلى حبسه أبواب جهنّم وهذا الحبس ممتلى نار أشأنها أن تطّلع على الأفئدة إلّا أنّ بينه وبين إدراك المها حجاب ، فإذا رفع الحجاب بالموت ، أدرك . وعن هذا أظهر اللّه الحقّ على لسان قوم استنطقهم بالحقّ فقالوا الجنّة والنار مخلوقتان هذا ، ثمّ إنّا نحن الآن نتكلّم أو نخاطب في الدنيا من في الآخرة . والغرض من إنزال القرآن أكثره شرح أحوال الآخرة وخصوصا في هذه الآية فإنّ الغرض شرح أحوال طائفة من المنافقين بحسب باطنهم وآخرتهم ، والآخرة من عالم الملكوت ولا يتصوّر شرح عالم الملكوت في عالم الملك إلّا بضرب الأمثال ولذلك قال سبحانه : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ 29 / 43 ] . وهم الذين جرّدوا صور المحسوسات عن قشورها الماديّة وأحضروها عند عقولهم العابرة عن عالم الأمثلة الحسّية إلى عالم الحقائق والملكوت وعالم الأمثلة الحسيّة بالقياس إلى عالم الحقائق كنشأة النوم بالقياس إلى عالم الملكوت ولذلك قال عليه السّلام : الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .